السيد علي صدر الدين المدني ( ابن معصوم )
54
رحلة ابن معصوم المدني ( سلوة الغريب وأسوة الأريب )
قلب السمك بارد جدّا فلذلك يحتاج إلى نفس قليل يجتذبه بمجار ضيّقة ، والماء لكونه أغلظ فما يصل إلى نفسه في تلك المجاري من الهواء شيء يسير ، فإذا برد الهواء فما يصل إلى نفسه أكثر ، لأنه ألطف ، فإذا برد الهواء في قلبه بردا مفرطا تلف ، انتهى . وهذا صريح في أن الهواء يدخل جوفه ، واللّه أعلم بالواقع . وقال الجاحظ : السمك يسبح في غمر الماء ولا يسبح في أعلاه ، ونسيم الهواء الذي يعيش به الطير لو دام على السمك ساعة قتله . واستثنى الغزالي نوعا لا يضرّه الهواء ، قال : ومن السمك نوع يطير على وجه البحر بمسافة طويلة ثم ينزل . قلت : وقد رأيت أنا هذا السمك الطيّار على وجه البحر . وما أحسن قول ابن التلميذ « 1 » يصف السمك : لبسن الجواشن خوف الرّدى * وعلّين من فوقهنّ الخوذ فلمّا أتيح لها أهلكت * ببرد النّسيم الذي يستلذ « 2 » وسنذكر جملة من أخبار البحر وعجائبه فيما يأتي إذا أفضت النوبة إليه إن شاء اللّه تعالى . رجع - وما زالت السفينة تنساب بنا انسياب الحيّة حتى وصلنا بندر ( اللحيّة ) « 3 » فامتطينا صهوة الزورق ، وظننا أنّ غصن الخلاص قد أورق ونزلنا البندر المعمور ، فألفيناه بكلّ خير مغمور ، وفيه من أنواع الفواكه ما يلتذّ به كلّ
--> ( 1 ) هو أبو الحسن أمين الدولة هبة اللّه بن صاعد ، المعروف بابن التلميذ . توفي سنة 560 ه ( أنوار الربيع 2 / 293 ) . ( 2 ) ورد البيت في طبقات الأطباء / 360 هكذا : فلما أتاها الردى أهلكت * بشمّ نسيم الهوا المستلذ ( 3 ) قال في نشر العرف لنبلاء اليمن بعد الألف ( لابن زبارة الصنعاني ) 2 / 96 ( اللحية ، بضم اللام الثانية ، تصغير اللحية ، وهي مدينة مشهورة بتهامة اليمن . وجاء في معجم البلدان : حيّة ، بلفظ الحية من الحشرات : من مخاليف اليمن .